تقديم الدكتور إبراهيم العبدالله النمارنه

لنظرية فقه الحروف


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، ثُمَّ الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد؛ فهذا  كتاب "نظرية فقه الحروف وأصل نشأة اللغة" للباحث والأديب والمؤلف اللُغوي العربي! محمد بن سعيدعبيدالله، الذي أتاحت لي الفرصة التعرف عليه وعلى سيرته العلمية والأدبية، فهو مثال للعروبة والأدب والأخلاق، يحلل ويناقش، ويقبل الرأي والرأي الآخر، يقيس الأمور بالمقاس العلمي، ثم ينطلق ليسير بها على خطى صلبة وثابتة

لقد كشف الباحث في مؤلفه عن حقائق لم يستطع أحد أن يكتشفها ممن سبقه من العلماء، فبذل الجهد العظيم في تأليف نظريته الـُممَثلة في هذا الكتاب الذي أخذ منه أكثر من نصف حياته، فقد فكــــر وقدر، ثُمَّ مَحّصَ وأصّل، وكربل العِلم وغربل، وكان يعاير هذا بذاك، حتى استطاع أن يُخرجَ هذا الكنز الثمين من مخبئه ويضعَه في كتاب نفيس، جَمّ الفوائد والتأليف، لم يصنف في بابه أجمع منه

 فقد قرأت الكتاب! فوجدته بحرًا من الفكر و العلوم، مُطَّرِد النتائج و الفصول؛ فضلا عن الترتيب والتنظيم والشرح والتفسير لـنشأة اللغة و ( فقه الحروف) ! كتاب رفيع في فنه فريد في جمعه يستحق أن يقرأه ذوو العلم وطلبته، وأهل القرآن وعلومه، وكل من له رغبة بالتعرف على لغة آدم ولسان العرب، وقد حاول أبو هاشم جــاهدًا أن يقدم الكتاب للمستويات المتنوعة بإسلوب واضح سهل مبسَّط، ومُدَعّم بالأمثلة والبراهين، بحيث يفهمه كل من يطلع عليه بكل سهولة ويسر


 ورغم المشقة وبعد الدِيار وندرة المراجع في امريكا وقلة الأعوان، عكف الباحث على كتابه حتى أتمــه، فأصَّلَ فيه وفصَّل، فصار كتابه مصدرًا لفقه اللغة ونشأتها ومرجعًا لأبحاث المستشرقين وفقهاء العرب، بعد أن جمع به الفروع إلى الأصول، ورَتَقَها بحِنكـة وموهبة، ثُمَ أجلَسها على عرشِها وأعاد لها جلالها وحقوقها وقضى لها بالطاعة وأنكرعلي شيبتها الجحود و العقوق، بعد أن تعمق في الحروف ونشأَتَها، و قِيمها وأوزانها وتمكن من الوصول إلى قوالب ألفاظها، فَسَخَّرَ نظريته هذه لخدمة القرآن ولسان العرب، مُعتزًا بلُغتِنا وتراثنا، فرتّبَ حروفها ترتيبًا فقهيًّا جديدًا، ومختلفا عما نحن عليه، فرد بهذا الترتيب اللُغة إلى عهد آدم، فبرَزَتْ لنا لغة حيْة متصلة من عصره إلى يومنا هذا، وعكس لنا بمرآته قداستَها وأظهر جلالَها وسُموّها، فأثبت بحق أنها لغة ذات طابع هندسي ومقاس، وحروفها ذوات وزن عددي وقياس، ولها إيقاع موسيقي وصوت معتدل السليقة والنظام، وقوالب لفظية ذوات حَجم وقياس، وقد ميّزها عن غيرها من اللغات فامتازت، ورفعها عاليًا فوق العيون والآذان فطارت إلى فروع العلياء والآفاق بعد خصومة من القرون وتناحر بين اللُغات

فجاءت نظرية فقه الحروف مصداقًا لِما تتمتع به اللُغة من معانٍ وألفاظ وبيان وبديع، فضلا ًعن النحو والصرف، وفنون اللُغة وجَزالة الألفاظ، فكانت إضافة الدكتور محمد عبيدالله بتأليفه هذا الكتاب كمن نقل البشرية من كوكب إلى كوكب جديد، فرَسَخَ بنظريته هذه عِلمًا حقا وفهمًا حقا، يفخر به كل من درسَ اللغة ودرسَ نشأَتها، واجتباها لنفسه على سائر الألسِنة وسائر اللُغات، وإني على يقين أن كتابه هذا لن يجد الذِواء ولا الذبول إليه سبيلا؛ لِما رسخَ فيه من قواعد وأصول، وأسنده على ركنين من أركان العلوم؛المعقول والمنقول!، ومهما نقدم لكتابه هذا من قول أو تقريظ، فلا شيء أبلغ من قول المُؤلف عن هذا الكتاب الفريد؛ إذ قال يصف كتابه

فتحتُ فتحة على العرب ...  هالني ما فيها ... فاستجهلتُ نفسي ... واستعظمتُ بانيها ...سأتركها وأمضي ويبقى الدهر بعدي ...  يسعى في قوافيها ...

     خِتامًا، من أجل تِلكَ المزايا كُلها، أُوصي أن تتبنى الجامعات، والمؤسسات التعليمية هذه النظرية، وتُمعن النظرَ في أركانها، وتكون من ضِمن مقرراتها، تُدرسها لطلبتها، وتفخر بمصدرها الإلهي وعُروبتها، وأن تحتفظ المكتبات العربية بنسخ وفيرة منها، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

وأخيرًا أسأل الله تعالى أن يجعل عمله هذا في سبيله سبحانه، وأن يكون من الأعمال التي تُثقل ميزان حسناته إنه نِعم المولى ونِعم النصير؛ فقد اِستنبط هذا العلم الوفير من نصوص وآيات  القرآن الكريم بعد

أن كان مستترًا عن الأبصار والعيون وعن أُولِي النُّهى وأُولِي الألباب والعقول

قال سبحانه وتعالى

وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا* سورة النساء83


الدكتور إبراهيم العبدالله النمارنه

أستـاذ اللســانيـات